ابن تيمية
17
مجموعة الفتاوى
كَتَقْلِيدِ الرَّسُولِ أَوْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ قَلَّدَهُ بِحُجَّةِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ وَلَيْسَ هُوَ التَّقْلِيدُ الْمَذْكُورُ وَهَذَا التَّقْلِيدُ وَاجِبٌ ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الرَّسُولَ مَعْصُومٌ ؛ وَأَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَعْصُومُونَ . وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْعَالِمِ حَيْثُ يَجُوزُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اتِّبَاعِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَغَلِّبَةِ عَلَى الظَّنِّ . كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ إصَابَةُ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ لَكِنْ بَيْنَ اتِّبَاعِ الرَّاوِي وَالرَّأْيِ فَرْقٌ يُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . فَإِنَّ اتِّبَاعَ الرَّاوِي وَاجِبٌ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِعِلْمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ : بِخِلَافِ الرَّأْيِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَيْثُ عُلِمَ وَلِأَنَّ غَلَطَ الرِّوَايَةِ بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ ضَبْطَهَا سَهْلٌ ؛ وَلِهَذَا نُقِلَ عَنْ النِّسَاءِ وَالْعَامَّةِ بِخِلَافِ غَلَطِ الرَّأْيِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ ؛ لِدِقَّةِ طُرُقِهِ وَكَثْرَتِهَا وَهَذَا هُوَ الْعُرْفُ لِمَنْ يَجُوزُ قَبُولُ الْخَبَرِ مَعَ إمْكَانِ مُرَاجَعَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ الْمَعْنَى مَعَ إمْكَانِ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ . وَأَمَّا الْعُرْفُ الْأَوَّلُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَلِهَذَا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ الْخَبَرِ وَلَا يُوجِبُ أَحَدٌ تَقْلِيدَ الْعَالِمِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِدْلَالُ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَيْثُ عُلِمَ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ .